بسم الله الرحمن الرحيم

اللآلئ والدرر في سير شيخنا أبا سعيد الأبر المسماه

(شرح العقود الزمردية في الطريقة النقشبندية)

من مكتوبات مولانا الشريف أسماعيل بن تقاديم النقشبندي (قدس الله سره) بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.



الحمد لله القهار لظلمة العدم الذي أظهر بوجوده المحض الممكن من نور القدم وعين الأنسان الحقيقي جنس الأجناس كما أن الأنسان البشري نوع الأنواع من الجنة والناس ونفس عن العقل بالنفس الكلية وأوجد الطبيعة للأمور الجلية وقدر جميع الأشكال من بعد الهباء الجوهر البسيط لكل الأجسام نبأ،فأبرز العرش المحيط القابل للأفلاك والأركان فأداره لأنقسام الكلمة لتلوح منه القدمان بكرسيه وفلك البروج والمنازل ثم النزول مع الخال السازج من غير فصايل لاقامة القواعد با لأرضين وفوقها المياه وكرة الهواء والأثير والقمر المبيت وفوقه كرة الكاتب والغنيمة واليوم والأحمر والمشترى ومقاتل بيوم وجمل لكل جسم ما يشاكل طبعه من الأنوار يجتمعون الوجود الأحسان من القهار كم المعادن والنبات وساير الحيوان والجن والشياطين وتمام الخلافة لمرتبة الأنسان وصلى الله على سيدنا محمد أول التعينات العمائية والتنزلات الانسانية الصادر في حضرة كان الله ولا شئ معه الوارد الى حضرة المعية والأقربية الأسمائية وعلى آله ذوي المحبة في الظاهر والباطن وأصحابه أولي الهيمة الوحدانية ماتحرك متحرك وسكن ساكن.

أما بعد.،

فلما كان السير في طريق المالك قصد كل عاقل وبغية كل سالك أردت أن أجمع مايكون تبصرة للمريدين وتزكرة للشيوخ المرشدين من الطريقة الصديقية التي فاق بها أبو بكر الصديق جميع الأمة المحمدية .

شرحا لمنظومتي العينية المسماه بالعقود الزمردية في الطريقة النقشبندية وسميته باللألي والدرر في سير شيخنا ابي سعيد الأبر وذلك بما من الله به علي من أول سلوكي لهذه الطريقة في بيت المقدس علي شيخنا أحمد ملا الولي الكامل الكردي في سنة ستة وأربعين ومائتين1246من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام والتحية وقطعت عليه اللطائف الأمرية ولطيفة النفس ثم أذن لي بالسفر وأجازني بالكلام،ثم توجهت الى مكة المشرفة ومن علي ثانيا بالقطب الكامل شيخنا محمد جان السليماني وأتممت عليه جميع المقامات المجددية وأجازني بالكتابة وأذن لي فيها بالأرشاد ثم سافرت من مكة الي طيبة لزيارة الحبيب صلى الله عليه وسلم وذلك بعد اقامتي في مكة سنتين ومن الله علي ثالثا في طيبة بالقطب الرباني والهيكل الصمداني من نسل الأمام الرباني الهمام أبو سعيد وأصحبت معه لجهة الروضة المشرفة وتوجه لي في المقامات المجددية وأدركت من توجهاته نسبا مليا وأجازني بخطه اجازة خصوص ونقلت به من حانة العموم الى حانة الخصوص فمن لي أن أجرد سيره لله للطلاب ليتمتعوا به الي الصواب أقول وأنا الفقير خادم تراب أقدام السادة العليا النقشبندية اسماعيل بن تقاديم الجعفري الحسني الحسيني المالكي الأشعري قد أخذت هذه الطريقة عليهما وهما عن عبدالله الدهلوي المشهور بشاه غلام علي وسنده مشهور، اللهم أنفع به من قرأه وفهمه آمين.



1 بدى وجه ليلى من بويرق جودها ***فوجه برعد الأمر مني سانع

معنى بدا ظهر والوجه الحقيقة ،وليلى اسم للحضرة العمائية، وبويرق تصغير للتعظيم، وجودها هي مطرها والضمير للحقيقة الالهية،فوجه الفاء للتعقيب والوجه هنا عبارة عن حقيقة الممكن والرعد كناية عن الكلام الألهي لقوله (كن)

ومني سانع أي ظاهر.

والمعنى:

أن حضرة الحقيقة الألهية ظهرت من تجليها لذاتها بذاتها بالفيض الأقدس الذي هو عبارة عن الأعيان الثابتة في حضرة العلم المحتجبة بالظلمة المحضة لآن الأمر ينقسم الى ثلاثة أقسام وهو بثلاثة مراتب أعلاها مرتبة الوجود الذي هو جنس محضي وأوسطها مرتبة الامكان وأسفلها مرتبة العدم المحض المعبر عنه بالمحال ويعبرون عن الأول بالنور المطلق الذي هو عبارة عن الذات البحت المشار اليه بقوله تعالى((الله نور السموات والأرض)) وعن الأسفل بالظلمة المحضة ورتبة الممكن بين الطرفين فبما فيه من نسبته الوجود كان موجودا وبما فيه من نسبته العدم كان معدوما وهو البرزخ الجامع بين الطرفين واليه الأشارة بقوله تعالى ((مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان))والممكن قبل التجلي مسجون في ظلمة العدم لأنه ظلاها والظل لا ظهور له مادام سلطان الظلمة مستوليا عليه فأذا أراد الله ظهور ذلك الظل تجلى للظلمة بنور وجهه فازالاهما لأنهما نقيضان لآ يجتمعان ولا يرتفعان فيظهر الظل ورأي بالعينين كلا الأصلين أي العين التي ينظر بها النور والعين التي ينظر بها الظلمة واليه الأشارة بقوله تعالى في معرض الأمتنان ((ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين))أي الطريقين الطريق التي يسير بها الى الوجود والتي يسير بها الي الوجود والتي يسير بها الي العدم فينظر بالعين عن الظل الذي هو نفسه فيدعى الألوهية ولا ينظر الي الظلمة نظرا يغيبه عن النور فيجحد موجده وليكن وسطا: ومعنى البويرق:

والجود والرعد هذا المجاز لا الحقيقة فاذا أردت حقيقتها الصاعدة بما فيها من الحرارة وليس بشء زايد علي السحاب ولم يكن سحابا في المتنفس أي الأرض بل هو شئ مظهر سحابا فتكاثف ثم تحلل ماء فنزل فتكون بخارا فصعد فكان سحابا لقوله تعالي((الم ترى أن الله يزجي سحابا))((وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا))فيما فيه من الماء يثقل فينزل وبما فيه من الحرارة يصعد وكل فرع طالب لآصله لآن الأصغر يطلب الأعظم فاذا ثقل أعتمد على الهواء فانضغط الهواء فأخذ سفلا فحك وجه الأرض فتفرقت الحرارة القويةالى الصعود الى الركن الأعظم فوجد السحاب متراكما فمنعه من الصعود وتكاثف فاشتعل الهواء فخلق الله عز وجل من تلك الشعلة ملكا فسماه (برقا) فأصابه الجو ثم انطفئ بقوة الريح كالسراج بها فزال ضؤه مع بقاء عينه فزال كونه برقا وبقى العين كونا يسبح الله فهذه حقيقة البرق والجود أ.ه .

وأما حقيقة الرعد فمن صعود الوجه الذي على الأرض من السحاب فاذا مازجه كان ذلك كالنكاح فيخلق الله عز وجل من ذلك الألتحام ماكان سماه رعدأ فسبح بحمده،هذا ما حققه أهل العلم والكشف بالعيان ،لأنه لا بد بعد البرق أن يكون رعدأ لأن الهواء يصعد مشتعلا فيكون برقا ويصدع أسفل السحاب فيكون رعدا أما لكون البرق مجازا

با لاستعارة في الحال الالهي بعلاقة المشابهة في سرعة الزوال في كل من الحال والبرق لآن الحال لا يبقى زمانين واليه الأشارة بقوله صلى الله عليه وسلم(الحمد لله على كل حال)فان الحال على ما حققه أهل التحقيق والحقيقة نعت الهي من حيث أفعاله وتوجهاته بها على كل كائناته واليه الاشارة بقوله تعالى:

((كل يوم هو في شأن))وأصغر الأيام الزمن الفرد الذي لا يقبل القسمة والحال عبارة عن الشأن الذي تجلي به في ذلك اليوم على يمين يريد ايجادها في الأطوار العلمية وما هي الا هبات من الشئون التي علي عدد مافي الوجود من آخر العالم الذي لا ينقسم كل جزء منه فهو تعالى في شأن مع كل جزء،هذا معنى أن الحال لا يبقي زمانيين فلو صح بقاء الحال زمانين لم يكن الحق خلاقا في حق من بقي عليه الحال ولا هو فقير اليه وكان يتصف بالغني عن الله عز وجل فتتعطل أحكام الألوهية الشؤنية التي ورد فيه صريح النص من الكتاب والسنة بسبب بقاء الحال زمانين لآن كل زمان له شأن يخصه واتحاد الشأنين شأنأ في زمان واحد تعطيل لا حكام القدرة الالهية واليه الأشارة بقوله تعالى((فعال لمايريد))وتحويل لفظ فاعل الي صيغة المبالغة بفعال يدل على ذلك صريحا لأنه تنزيل من حكيم حميد.



الرعد وحقيقته:

وأما كون الرعد هنا في كلام الله مجازا بالأستعارة بعلاقة النكاح المسمى عند أهل التحقيق والكشف في الحقيقة بالنكاح المعنوي لآن الهواء لما صدع أسفل السحاب شق أذاننا سمعا كذلك قول الله عز وجل ،كن أول من شق أذان الأعيان المنسحنة في ظلمة العدم سمعأ وكل من هذين كلام،لآن الكلام مشتق من الكتم وهو الجرح فان الصوت المسموع الداخل في الصماغ الذي هو محل المعنى السمعي كذلك شق أذاننا سمعا"فاذا قلت يلزم على هذا أن يكون كلام الله بحرف وصوت فيدخل في كلام الخلق.!

الجواب

أن الله تعالى له علم في ذاته يعلم به حقيقة ذاته وصفاته وأسمائه لايشاركه فيه أحد من الخلق اذ لم يكلفهم أن يعرفوه كما يعرف نفسه لقوله تعالى((لا يكلف نفسا ))أي منفوسة الا وسعها أي طاقتها سواء كان بعمل أو أعتقاد بعلم ومعرفة حقيقة ذاته خارجة عن الوسع لأنها غيب ولذلك تجلى لقلوبنا بضرب من الأمور التي فيها رائحة التشبيه وان كان في نفس الأمر محال فنزل الله تعالى الصفات التي تتضمن معنى

التنزيه المحض على مرتبة علم الحق بذاته وصفاته على الحقيقة التي في نفس



الأ مر المشار اليها بقوله تعالى(( ليس كمثله شئ ))و((قل هو الله أحد))وقوله صلى الله عليه وسلم (كان الله ولا شئ معه)ونزل الصفات التي يتضمن ظاهرها رائحة التشبيه علي مرتبة معرفتنا له تعالى بعقولنا لذاته كتصوره في دائرة

الخيال المطلق بصور الأدميين ونحن لا نحتاج الي تأويل شئ مما ورد في التشبيه من الكتاب والسنة وما أحوج الناس الي التأويل الا لظنهم أن الحق كلفنا أن نعرفه كما يعرف نفسه فلما عجزنا عن ادراك الحقيقة لجأنا الي التأويل سايغ في اللغة العربية فشهادته تعالى على نفسه بحسب العلم مغايرة لشهادتنا له وقوله تعالى:

((شهد الله أنه لا اله الا هو والملائكة وأولوا العلم))فانه شهد لنفسه بعلم نفسه ،وشهد الملائكة له بعلمهم الضروري من التجلي الذاتي الذي أفادهم العلم وقام لهم مقام النظر الصحيح في الأدلة فشهدت له بالتوحيد الشهودي،وأولوا العلم بالنظر العقلي فان الله تعالى أعلن بنفسه من الملائكة كما أنها أعلم به من أولي العلم وعطف الملائكة وأولوا العلم بالواو لا يفيد ذلك على ما في علم النحو من انها تفيد معنى الأشتراك ولا أشتراك الا في الشهادة فقط فاذا علمت هذا السر وأعتقدت منه المرتبة الأولى فلا يضرك التشبيه الوارد بالنص الصريح في كلامه الذي قلنا فيه،شق سمع الممكن وأما ما جاء فيه من النفس الرحماني الوارد في قوله صلى الله عليه وسلم(نفس الرحمن يأتي من قبل اليمين )فكانت الأنصار المشار اليه في البيت بالجود.

الجود :

عبارة عن العمائان ،العماء هو ما صعد من بخار ومكونات الأركان المنحل،ما هو في الجود حقيقة فيه العماء الالهي مجاز، وعلاقته المشابهة لآن كا منهم محرك للقوى النامية وكما أن الكلمات الحرفية كذلك أعيان الموجودات المعبر عنها بالكلمات المنتظمة من الحروف العاليات أي (الأعيان الثابتة) تبرز من النفس الرحماني المعبر عنه بالعماء وتسميته عماء مجاز بالأستعارة وعلاقته المشابهة في كل من النفسين الرحماني والأنساني باعتبار الحروف العاليات أي الممكنات والسافلات أي اللفظيات بقرينه الأسم الرحمن المستوي به على العرش أ.ه.

معنى فوجه برعد الأمر مني سانع

واضافة رعد الأمر من الأضافة البيانية أي برعد هو الأمر الألهي المشار اليه بقوله تعالى((انما قولنا لشئ،وباقي الأية))فقوله تعالى قولنا هو كونه متكلما أن نقول له كن فيكون عين ماتكلم به فظهر عينه لما قيل كن فكان فأضاف التكوين الى الذي يكون لا الى الحق ولا الى القدرة بل امره فامتثل السامع في حال عدمه وتثبيته ثبوت أمر الحق بسمع ثبوتي فأمره قدرته وقبول المأمور بالتكوين استعداده فظهرت الأكوان والأعيان في النفس الرحماني ظهور الحروف في النفس الأنساني والشئ الذي يكون هو الصورة الخاصة كظهور الصورة المنقوشة في الخشب أو الصورة في الماء المهين أو الصورة في الطين وثبوتها من فيض حقيقة الأسم المصور ولولا ثبوتها لا نعدمت حقيقته فان الأمر بكن صعب التصور من الوجه الذي يطلب الفكر ،سهل التصور من الوجه الذي قدره الشرع،فالفكر يقول ما ثم شئ،ثم ظهر شئ لا من شئ والشرع يقول وهو القول الحق،بل ثم شئ، فصار كونا وكان غيبأ فصار عينا.

(معني مني سانع)

في البيت أن ياء المتكلم عبارة عن الأنسان الحقيقي الذي هو جنس الأجناس كالجوهر عند المناطقة فان تحته أجناس وأما عند أهل التحقيق فان الحقيقة المحمدية موجودة بجزئياتها في كل نبي وولي بل هو روح لكل الأرواح ويعبر عنه بروح القدس لآن له طورأ اسرافيليأ يعبر عنه بالحقيقة الأسرافيلية التي تظهر على هياكل أهل التحقيق لتقدس أرواحهم من نقائص أحكام البشرية وغيرها ويعبر عنها بالأنسان البشري الذي هو نوع الأنواع ومعنى سانع في البيت ظاهر أي بالنكاح الغيبي المعنوي كظهورنا بالنكاح الحسي لقوله صلى الله عليه وسلم(خلق الله عو وجل الأرواح قبل الأجسام بألفي عام)،والمراد بالخلق هنا التقدير والتعيين بمعنى أنه لكل جسم وصورة قدر لها الروح المدبر الموجود لها الموجود بالقوة في هذا الروح الكل المضاف اليه فيظهر ذلك بالتفصيل عند النفخ كصاحب الكشف يرى في المداد الذي في الدواة جميع الحروف التي فيه والكلمات،والذي يتضمنه من صورها يصور به الكاتب والرسام وكل ذلك كتابة فيقول في هذا المداد من الصور كذا وكذا صورة لها واذا جاء الكاتب أو الرسام دون الكتاب أو الكاتب دون الرسام بحسب مايذكره صاحب الكشف ،فيكتب بذلك المداد ويرسم جميع ماذكره هذا المكاشف بحيث لا يزيد من ذلك ولا ينقص فدخول الأرواح المدبرة في تلك الصور والأجسام نكاح غيبي لا يعلمه الا الله تعالىوتشبيه الوجه الأمكاني بالوجه الحقاني مجاز مرسل فحف علينا الغبث لآن العبد مسبب عن الحق جل وعلا لأ نه لو لم يكن لما كنا كما هو أريتك لذلك مما تقدم أو علاقته البعضية با عتبار أن لكل أحد من الأكوان وجها من الحق خاصأ به وهو المسمى سرأ أعني بالوجه حصة من مطلق التجلي فيكون معرفته للحق من تلك الحصة المسماه سرا وهو أنه عبارة عن اللطيفة الذاتية المتعينة في الصورة الجزأئية بالكمالات الكلية أو مجاز بالأستعارة علاقته المشابهة باعتبار تجليه في الصور الثابتة في دائرة الخيال المطلق كما روى أنه تجلى لموسى عليه السلام في أثنا عشر ألف صورة وقد يتجلى الصورة تعريفا وتنكيرا لذلك يتعوذ به منه كما قال تعالى((فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم))فان الشيطان مظهر جلال لذلك قال صلى الله عليه وسلم (أعوذ بك منك) يعني أعوذ بالرحيم من المنتقم أو المشابهة باعتبار الجمعية في الأنسان الكامل لآن آدم عليه السلام خليفة لجمعة الأسماء الألهية والكونية لآنه من صورة الا وله حقيقة متصلة بالأمتداد منه بتلك الصورة وما من اسم الهي الا وله ذلك فعلى هذا يكون ما قلنا لآنه أول ظهوره عقل قابل لجميع العقول ثم كان منه نفسا كلية قابلة لكل صورة وصورته الكمالية تدل على ذلك ئئلان عينه اليمنى شمسي واليسرى قمري وأذنيه وأنفه وبقية الحواس كبقية الكواكب والأركان كلها حواها بطبعه كما قيل:

أتحسب أنك جرم أصغر ففيك أنطوى العالم الأكبر

وتصغير (البويرق)في البيت للتعظيم وفيه تلميح الى التودد المشار اليه بقوله تعالى((يحبهم ويحبونه))فلولا المحبة لما أوجدنا ولا عرفناه وفي هذا التلميح رد علي المعتزلة الذين يقولون بالعقول العشرة المؤثرة بطبعها دون أختيار منه،فقالوا أنه تعالى أوجد العقل الأول وأوجد الأفلاك به ،يعني العرش والكرسي والسبع سموات وجعلوها موجودة بطبع كل من تقدم ، قبحهم الله في أعتقادهم أين هم من ((فعال لمايريد))وقوله ((انما أمره اذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون))فما أوجد الله الكون الا بسر المحبة وبها عرفناه كما قال((كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف))فذكر صنعة المحبة ولم يذكر غيرها من الصفات،وفيه تلويح الي عظمة ذلك التجلي الذي لا يثبت له شئ لآن الأشياء كلها ظلال والحق نور محض فاذا تجلي على العالم الذي هو ظل يفنى ذلك الظل عن شهود نفسه عند رؤيته للنور الألهي فاذا أرسل الحجاب ظهر الظل ووقع التلذذ بالمشاهدة،خلف الرداء الذي ظاهره خلق و باطنه حق،ولابد من أعتبار الظاهر الى الباطن بمعنى لايظهر في العالم صورة من خلق الله الا ولتلك العين الحادثة في الجسم روح تصحب تللك الصورة والشكل الذي يظهر، فلما علمنا أن الله سبحانه وتعالي قد ربط بكل صورة حسية روحا معنوية بتوحيد الهي من حكم اسم رباني اعتبرنا خطاب الشرع الظاهر وهو لنا في الباطن على حد ماهو في الظاهر قدما بقدم لأن الظاهر منه صورته الحسية والروح الألهي المعنوي في الصورة هو الذي نسميه الأعتبار في الباطن من عبرت الوادي اذا جاوزته ،قال تعالى((فاعتبروا يا أولي الأبصار))أي جاوزوا ما رأيتموه من الصور بأبصاركم الى ما تعطيه تلك الصور من المعاني والأرواح في بواطنكم ببصائركم(((وماهية قولة في البيت جودها)))أي مطرها وفيه تلميح الى الطهارة الألهية أي أتصافها بالحضرة القدسية من أسمها القدوس لآن الماء ماءان :

( أ) ماء غيب (ب) ماء حسي

ماء الغيب،وهو الفيض المقدس وغيب الغيب هو الفيض الأقدس ومعنى أن الحقيقة الألهية تطهرت عن حضرة الكثرة التي من لوازمها العدم في الحضرة الذاتية والصفاتية وعالم تلك الحضرة طهارته ونجاسته تعتبر من استعداد القابل من الفيوضات القبول التام وهو عدم مناسبة لأحكام الكثرة الامكانية لآنها عدمية وكلما أشتد مناسبة لها في الأحكام أشتد كمالا نسبيا وما ذاك الا الأنسان الكامل الذي تنطبع في صورته جميع الحقائق وقبوله لها بالذات تنفي حضرة انسانيته النوعية.

صار روحا سازجا وما نال ذلك الا بقوة المناسبة للحضرة القدسية بتلك الأحكام لا عدمها با لكلية فان ذلك لا قابل به ولولا حكم الطهارة والنجاسة لماظهر جلال ولا جمال فهذه سنة الله((ولن تجد لسنة الله تبديلا))وفي هذا البيت من أنواع البديع الطباق بين وجه الذات الألهية ووجه الذات الأمكانية ،والسر في ذلك على ما حققه الأمام الأكبر محي الدين بن عربي قدس الله سره أن الممكن هو ظل العدم المحض وما ظهر الا بالنسب الأسمائية لآن ذات الحق تعالى واحدة من حيث ماهي ذات ولما أراد الله اظهار حضرات الأسماء التي تطلب الممكن ،أجتمعت نسب الأسماء اجتماعا اعتباريا لا حسيا عند حضرة المسمى ونظرت في معانيها التي تثبت عنده في حضرة علمه وحقاقئها فطلبت ظهور أحكامها حتى يتميز أعيانها بأثارها فان الخالق والباري والمصور والقادر والمريد والمحي والمدبر والمفصل والعالم وجميع الأسماء ذوات النسب التي تطلب لها الظهور فلم يجدوا مخلوقا ولا مرزوقا الى آخر

النسب،فلجأت الأسماء الألهية الي الأسم الباري فلجأ هو الي الأسم القادر وهم معه فقالوا له ما قالوا للأسم الباري وقال لهم الأسم القادر أنا تحت حيطة الأسم المريد فلجأوا اليه وقال أنا تحت حيطة الأسم العالم لأنه سبق بالاحاطة ولجأ الأسم العليم الي حضرة اسمه الله لأنها حضرة مهيمنة على جميع الأسماء وحضروا كلهم عنده فقال أنا اسم جامع لحقائقكم واني دليل على المسمى .

وهو ذات مقدس له نعوت الكمال والتنزيه أي منزه عن وصف يدركه حس او يتصوره وهم أو يسبقه اليه فكر أوحدس ((قدوس))موصوف بصفات الكمال((سبوح))منزه عن النقائض ،القدوس الذي لا تدركه الأوهام بالتحديد ولا البصائر بالتصوير ولا تجسده العقول بالتقدير ولا يرتقي الى تصويره وهم ولا يطمع في جوازه تقرير فهم ،تاهت العقول في قفار الحيرة من الأحاطة بصمدانيته وكلت الأبصار عند رؤيته عن ادراك حقيقته جل الواحد الأحد وتقدس القيوم الصمد.

وما ذكرته من هذا التنزيه لئلا يقع ضعيف العقيدة بالتشبيه،وقال الأسم((الله))للأسماء قفوا حتى أدخل على مدلولي،فدخل وقال أخرج وقل لكل واحد من الأسماء يتعلق بما تقتضيه حقيقته في الممكنات واني أنا الواحد في نفسي من حيث نفسي والممكنات أنما تطلب مراتبي وتطلبها مرتبتي، والأسماء الألهية لا لي الا الواحد فأنه خصيص بي لا يشاركني في حقيقته من كل وجه احد لا من الأسماء ولا من المراتب ولا من الممكنات، ولما ظهر الممكن الأول بتخصيص المريد وحكم العالم فظهرت الأعيان والأثار في الأكوان وتسلط بعضها على بعض بحسب ما يستند اليه من الأسماء المتضادة الحكم، ووجه الطباق فيما قلنا بين الوجه الواجبي والوجه الأمكاني ان الأمكان يتعلق معناه بالوجوب تعلق المسببية لأنه مسبب عن الوجوب وفي هذا البيت أنواع من البلاغة البديعية مراعاة النظير وهي الجمع بين البرق والجود والرعد وفي ذلك اشارة الي التخلق بالأخلاق الألهية في الطهارة التي يكون مظهرها الماء، والماء نوعان ماء غيبي , وماء حسي ،فالغيبي قد تقدم ، والحسي المتقدم ذكره معه سيأتي:فأقول.

أ: طهارة الباطن بالغيب والظاهر بالحس فالماء الغيبي منه ما كان من فيض أسمه ((المؤمن))أي الماء الأيماني الصادر من السعة الألهية الوارد على القلب بقوله تعالي((ما وسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن))،ومن أسمائه تعالى ((المؤمن))فمن تخلق به فقد طهر قلبه لآن القلب محل الأيمان ومحل السعة الألهية والتجلي الرباني وكثرة هذا الماء،قلت بكثرة الأعمال وقلتها المشار اليها بقوله تعالى((واذ ا تليت عليهم آياته زادتهم ايمانا))فنظافته أي القلب بالحسنات ونجاسته بالسيئات ،والطهارة تارة حسية وتارة معنوية،فالمعنوية تكون بالماء الغيبي، وهي الحسنات فأنها تقاوم السيئات وتزيلها اذهابا لقوله تعالى((ان الحسنات يذهبن السيئات))وذلك باعتبار القوى الحضورية أي تذهب عين نجاسته السيئة وتارة تمحهها واليه الأشارة بقوله صلى الله عليه وسلم(أتبع السيئة الحسنة تمحها)أي تمحى صورتها وتبقي أثارها،وتارة بطريق التبديل أي تبديل الصور الظلمانية بالصور النورانية لقوله تعالى((الا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات))وهذه النجاسات كاالسموم ،والحسنات كالترياقات والترياق اما أن يكون مذهبا لضرر السموم بالكلية أو يدفع ضررها عن بلوغه الى درجة كما له بقوة مقاومة أو مماثلة من حيث الموازنة لقوة الضرر وكما أن ضرر السموم يتفاوت كذلك قوى الحسنات تتفاوت بحسب الأشخاص والأزمنة والأمكنة فان الشخص العارف ذا الهمة القوية والحضور التام حسنته الواحدة تقاوم كثيرا من السيئات بالنسبة الى غيره والحسنة في الأزمنة كعرفة ورمضان والأمكنة كمكة والمدينة والبيت المقدس،فان العمل في هذه الأزمنة والأمكنة يقوي في المقاومة بالنسبة بالنسبة الى غيره فافهم وتأمل،وهذه الحسنات التي قلنا أنها ماء غيبي يشترك فيها الباطن والظاهر،وأما الحسي فتتعلق طهارته بالأعضاء الحسية.

طهارة الباطن بالنسبة للسادة النقشبندية:

أولا:- طهارة القلب، وهو بمعنى فناؤه في تجليات الأفعال الألهية بأن لا يرى فعلا سوى الله.

ثانيا:-طهارة الروح،وهي فناؤها في تجليات الشؤنات الذاتية.

ثالثا:-طهارة سره،وهو فناؤه في تجليات الشؤنات الذاتية.

رابعا:-طهارة خفية(الخفى) في الأوصاف السلبية.

خامسا:-أخفاؤه في الشأن الجامع للمراتب الألهية. وهذه طهارة عالم الأمر أي اللطائف الخمس الأمرية وهي :

(القلب،الروح،السر،الخفي،والأخفي).

أولا:-وأما في عالم الخلق فالنفس في أصل الأفعال.

ثانيا:-النار في أصل الصفات الزائدة.

ثالثا:-الهواء في أصل الشؤنات.

رابعا:-الماء في أصل الأوصاف.

خامسا:-التراب في أصل الأصول ،ودائرة امكانه في نور الأحدية،ودائرة الولاية الصغرى في أصل المعية،والولاية الكبرى في أصل الأقربيةوالمحبة،ومجموع ظاهره في مسمى الظاهر،ومجموع باطنة في مسمى الباطن.
http://syangar.bodo.blogspot.co.cc

0 komentar:

Poskan Komentar